بعد 2800 صاروخ.. لماذا تقرأ الإمارات لحظة هرمز كلحظة تأسيسية؟
ليست أزمة مضيق هرمز حدثًا محدودًا في سجل الصراعات الإقليمية، هي لحظة تأسيسية يُعاد فيها تعريف النظام الدولي.
ما يجري هناك لا يتعلق بسفن تعبر أو تُمنع، ولا بألغام تُزرع أو تُزال، إنما بمن يملك حق صياغة قواعد الاشتباك.. هل يبقى العالم محكوماً بحرية الملاحة، أم ينتقل إلى منطق تُدار فيه التجارة تحت ظل التهديد؟
هذه ليست مبالغة، كل نظام دولي تشكّل حول نقطة اختناق حاسمة، من مضائق البحر المتوسط التي رسمت خرائط الإمبراطوريات، إلى خطوط النفط التي حددت موازين القوة في القرن العشرين، كانت الجغرافيا دائماً هي اللغة الخفية للنفوذ. اليوم يعود هرمز ليكتب هذه اللغة بصوت مرتفع، لم يعد ممرًا للطاقة فقط، أصبح أداة لإعادة تعريف العلاقة بين الاقتصاد والسيادة، وبين الأمن والتجارة، وبين الدولة وقدرتها على حماية مصالحها في بيئة مضطربة.
الولايات المتحدة، حين انتقلت من المراقبة البحرية إلى الخنق الاستراتيجي، لم تتحرك لإضعاف إيران فقط، سعت إلى إعادة فرض قاعدة عالمية جديدة، لا يمكن لأي قوة إقليمية تحويل شريان الطاقة إلى ورقة ابتزاز. هذا التحول يعكس إدراكاً عميقاً بأن التهديد لم يعد عسكرياً تقليدياً، بل اقتصادياً بنيوياً، وأن السيطرة على تدفق الطاقة تعني السيطرة على استقرار النظام الدولي نفسه، واشنطن هنا لا تدير أزمة، بل تعيد رسم حدود اللعبة.
طهران تدرك أن ميزان القوة التقليدي لا يعمل لصالحها، لذلك اختارت ساحة مختلفة.. الجغرافيا حين تُهدد الملاحة، فهي لا تواجه سفناً، تضغط على الاقتصاد العالمي بأكمله، الألغام البحرية الرخيصة تتحول إلى أداة تأثير واسع، لأن أثرها يُقاس بحجم القلق الذي تخلقه في الأسواق، مجرد الاشتباه بوجود خطر كافٍ لتعطيل حركة التجارة، ورفع تكاليف التأمين، وإعادة رسم مسارات الشحن، هذه ليست حرباً عسكرية بقدر ما هي حرب نفسية واقتصادية تُدار بأدوات منخفضة الكلفة عالية التأثير.
بين هذين المسارين، يتشكل فخ التصعيد، واشنطن ترفع السقف لضبط القواعد، وطهران تخفض كلفة المواجهة لإطالة زمن الفوضى. النتيجة حالة ممتدة من عدم اليقين، تُدار فيها الأسواق بقدر ما تُدار الجبهات، هرمز يتحول إلى مختبر حي للنظام الدولي القادم، حيث تختبر القوى الكبرى حدود الردع، وتعيد تعريف العلاقة بين القوة الصلبة والقوة الاقتصادية.
في قلب هذه المعادلة، تتحرك دولة الإمارات وفق محددات واضحة منذ اتفاق 2015 النووي، الاعتراض لم يكن على الاتفاق بحد ذاته، إنما على تجاهله سلوك إيران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي، الاتفاق تعامل مع النتائج وترك المصدر، وهو ما سمح بإعادة إنتاج التهديد في أشكال أكثر تعقيداً، اليوم، يظهر أثر ذلك بوضوح، مع انتقال الصراع من الملفات النووية إلى الممرات البحرية وشبكات الطاقة.
المعادلة بالنسبة لدولة الإمارات ترتبط بالسيادة المباشرة، إيران تحتل جزر أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، والمسافة الجغرافية عنصر ضغط دائم لا يمكن تجاوزه، الأمن هنا واقع يومي، لا تصور نظري، ما يجعل أي حديث عن التهدئة مرتبطاً بإعادة تعريف قواعد الاشتباك، وليس مجرد خفض مؤقت للتصعيد.
التصعيد الأخير أسقط أوهام الفصل بين الوكيل والمصدر، حين استهدفت إيران، دولة الإمارات وحدها بـ2800 صاروخ باليستي وطائرة مسيّرة، انتقل الصراع إلى مستوى مختلف، لم يعد ممكناً التعامل معه كملف يمكن احتواؤه عبر وساطات أو تفاهمات جزئية، أصبح معادلة تتطلب إعادة ضبط شاملة، هذه اللحظة تعني أن التهديد بات مباشراً، وأن إدارة المخاطر تحتاج أدوات مختلفة، تجمع بين الردع والجاهزية والوضوح السياسي.
السؤال الآن يتغير.. هل يمكن بناء استقرار دون معالجة مصدر التهديد؟ التجارب الإقليمية تشير إلى أن التهدئة الجزئية تنتج هدوءًا مؤقتًا وتُبقي الخطر قائماً، المشكلة لا تكمن في السلوك فقط، تكمن في البنية التي تصنعه وتعيد إنتاجه بأشكال متعددة.
أزمة هرمز كشفت هشاشة النظام الاقتصادي العالمي، ممر واحد قادر على تعطيل أسواق كاملة، ورفع أسعار الطاقة، وإرباك سلاسل الإمداد، أوروبا تحسب الكلفة بدقة، آسيا تبحث عن بدائل لكنها لا تجدها بسهولة، الولايات المتحدة تفرض الإيقاع وتحاول تثبيت قواعد جديدة، حرية الملاحة تتحول من مبدأ قانوني إلى ضرورة وجودية للنظام الاقتصادي العالمي.
هذا ما يجعل الأزمة تأسيسية بالفعل، القوة لم تعد تُقاس بالسلاح فقط، بل بالقدرة على التحكم في تدفق الطاقة والتجارة، الردع لم يعد منع الحرب فقط، إنما منع الفوضى المستمرة، السيادة لم تعد حدودًا جغرافية فقط، بل حضور فعلي في الممرات الحيوية التي تربط الاقتصاد العالمي ببعضه.
لا تبحث دولة الإمارات عن مواجهة، وتدرك أن الاستقرار يحتاج قواعد واضحة لا لبس فيها، التفاهمات مطلوبة ضمن إطار يمنع إعادة إنتاج التهديد، والردع عنصر أساسي في أي معادلة أمنية قابلة للاستمرار، السيادة هنا ليست شعاراً سياسياً، بل معادلة تُحمى وتُفرض ضمن بيئة إقليمية معقدة.
ما يحدث في هرمز ليس مجرد تصعيد، بل إعادة كتابة لقواعد السياسة، من ينجح في فرض معادلته هناك، يحدد شكل قرن قادم من التاريخ، الآخرون سيجدون أنفسهم أمام واقع جديد، لم يشاركوا في صناعته، لكنهم مضطرون للتكيف معه، دولة الإمارات لديها وجهة نظر وليست كالجبناء هي دولة قوية وشجاعة.
