menu_open Columnists
We use cookies to provide some features and experiences in QOSHE

More information  .  Close

القدر يفرض علينا "الاتحاد"-Analiz

44 0
14.03.2026

عاش المسلمون في العهد العثماني مئات السنين في ظلّ الطمأنينة والأمن. ورغم أنّ بعض الأطراف حاولت بين الحين والآخر إثارة الفتن وإشاعة الفساد، فإنّها لم تُحقق نجاحًا يُذكر. كما أنّ من أراد الاعتداء على المسلمين لم يكن يجرؤ على ذلك بسهولة.

وخاصة في القرن التاسع عشر بدأ إيقاع عقولنا وقلوبنا يتغيّر. فقد أبهرتنا الشعارات اللامعة للثورة الفرنسية، ودخلنا في مسارات بحثٍ شتّى. وأدّت تيارات «القومية» إلى إثارة مشاعر «العنصرية» التي لا يقرّها الإسلام. وكان شعار «حقّ الأمم في تقرير مصيرها» يبدو جذّابًا للغاية.

وانشغل الجميع بالسعي إلى تأسيس «دولته القومية» الخاصة. وبدأنا نفقد تدريجيًا وعي الانتماء إلى «الأمّة». وفي نهاية المطاف، مزّقنا بأيدينا — من الداخل — الدولة العثمانية التي كانت تمثّل وحدة الأمّة وسلطتها، وذلك إلى جانب ما تعرّضت له من مؤامرات ومكائد وهجمات من الخارج قادها أعداء الإسلام.

أمّا أولئك الذين ساعدوا على «تقسيم» الجماعات المسلمة لفصلها عن الدولة العثمانية، فإنّهم لم يعترفوا بشيء اسمه «حقّ الشعوب في تقرير مصيرها» في الأراضي التي اقتطعوها. بل بدأت مرحلة تطبيق مبدأ آخر مفاده: «أنا من يحدّد مصيرك».

وعلى امتداد الجغرافيا العثمانية الشاسعة التي كانت تنتشر عبر ثلاث قارات، بدأت عشرات «الدول القومية» ترفع أعلامها الخاصة، غير أنّ أيًّا منها لم يكن حرًّا أو مستقلًا استقلالًا حقيقيًا. فقد ظلّت هذه الدول أسيرة الحدود التي رسمها لها «السادة» الذين فصلوها عن الدولة العثمانية، ولم تتمكّن يومًا من تجاوز تلك الحدود. أمّا القادة الذين حاولوا كسر هذه القيود، فقد دفعوا الثمن بحياتهم. وتوالت بعد ذلك الافتراءات والإعدامات والتصفيات والاغتيالات والانقلابات واحدًا تلو الآخر.

والذين مزّقوا جغرافيتنا ووعينا الأمّتي مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، دخلوا بعد ذلك في حربٍ طاحنة فيما بينهم خلال الحرب العالمية الثانية، وأسفر صراعهم عن مقتل ما بين ستين وثمانين مليون إنسان.

وبعد سنوات قليلة من نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت مرحلة مختلفة تمامًا. فقد أنشأت بعض الدول الأوروبية فيما بينها «اتحاد الفحم والصلب»، ثم تطوّر هذا الكيان مع انضمام دول أخرى ليصبح «الجماعة الاقتصادية الأوروبية»، ثم «الجماعة الأوروبية»، وأخيرًا تحوّل إلى ما يُعرف اليوم بـ«الاتحاد الأوروبي»، الذي يُدار بدستورٍ موحّد، وأصبح كيانًا أقرب إلى «دولة واحدة» من حيث امتلاكه علمًا موحّدًا، وعملة مشتركة، وإطارًا دستوريًا جامعًا.

عندما تأسّس الاتحاد الأوروبي، تحوّل هذا الكيان إلى أحد أبرز مراكز القوة في العالم. ففي ظلّ دولٍ كبيرة وقوية مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، استطاعت دولٌ أصغر مثل سلوفينيا وسلوفاكيا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا........

© Stratejik Düşünce Enstitüsü