التملك العقاري: بين حق الفرد والتغيير الديمغرافي (1)
ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بخبر شراء رجل لبناني من الجنوب 84 عقاراً في منطقة لا يُقيم فيها، ما فتح الباب أمام نقاش تجاوز حدود الصفقة العقارية إلى أسئلة تتصل بالتوازن الاجتماعي، والشفافية المالية، وحقوق الملكية، ومستقبل العيش المشترك. التملّك العقاري في لبنان ليس مجرّد مسألة اقتصادية تتعلّق ببيع أراضٍ وشقق ومنازل، بل أصبح قضية تتصل بالاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي ووحدة الدولة. الأرض، في بلد لا تتجاوز مساحته 10452 كيلومتراً مربّعاً، وتتميَّز بُنيته بتعدُّد اجتماعي وطائفي، ليست مجرّد سلعة تخضع لقانون العرض والطلب، وإنما عنصر أساسي في تكوين المجتمعات المحلية واستمرارها.
اليوم تزداد حساسية المسألة عندما تتراكم عمليات شراء العقارات في مناطق محدّدة، ولا سيما إذا نفّذها فرد أو مجموعة مترابطة، وشملت مساحات واسعة أو عقارات متجاورة، بما قد يؤدّي تدريجياً إلى تغيير البنية السكانية أو إنشاء تجمّعات مغلقة وأحزمة عمرانية تفصل المناطق عن محيطها. فهل تستطيع السلطة أن تبقى متفرّجة عندما تتحوَّل عمليات بيع مشروعة، كلٌّ على حدة، إلى ظاهرة قد تهدِّد التوازن المجتمعي؟
أدركت الميليشيات خلال سنوات الحروب في لبنان أهمية مسألة التملّك، فأنشأت مكاتب لمراقبة حركة الدوائر العقارية، تتولّى مهمّة التأكّد من سلامة عملية البيع ومنع إجراء عمليات تهدف إلى تحقيق فرز طائفي أو تبادلي.
جبل لبنان نموذجاً لمشكلة وطنية
اليوم تثير عمليات التملك العقاري الواسعة مخاوف متزايدة في بعض مناطق جبل لبنان، ولا سيما المتن وكسروان وبعبدا وعاليه وبحمدون، فضلاً عن مناطق أخرى في الشمال والبقاع وجزين. وتتناقل الأوساط المحلية معلومات عن شراء عقارات وشقق وشاليهات بالجملة، أحياناً بواسطة شركات أو وسطاء، بما يطرح تساؤلات حول المالك الفعلي ومصادر التمويل والغاية من تجميع الملكيات في نطاق جغرافي واحد. ولا يجوز اعتبار........
